حين تشتري وحدة عقارية تحت الإنشاء.. فأنت لا تشتري جدرانًا، بل مركزًا قانونيًا كاملًا

بقلم المستشار / تامر مجدي فوزي
في البيوع العقارية التقليدية، تكون الوحدة قائمة ومحددة المعالم، يستطيع المشتري معاينتها والوقوف على حالتها قبل التعاقد. أما بيع الوحدات العقارية تحت الإنشاء، فالأمر يختلف من أساسه؛ لأن محل التعاقد لم يكتمل وجوده المادي بعد، وما يحصل عليه المشتري في هذه المرحلة هو مركز قانوني يرتب له حقًا في وحدة مستقبلية، وفق مواصفات ومساحة وميعاد تسليم محدد.
وهنا يكمن الفارق الحقيقي.
فسواء كان المشروع تتولى تنفيذه شركة تطوير عقاري، أو مالك قطعة أرض يقيم عليها مشروعًا سكنيًا، تظل المعادلة واحدة: المشتري يبدأ في الوفاء بالتزاماته المالية منذ لحظة التعاقد، بينما تظل الأرض والمشروع والوحدة والثمن المسدد – وفي أحيان كثيرة شيكات باقي الأقساط – جميعها تحت يد الطرف الآخر.
ثم ينتظر المشتري شهورًا أو سنوات حتى يكتمل البناء، وتصدر الموافقات، وتدخل المرافق، وتصبح الوحدة صالحة للتسليم والانتفاع.
ولهذا لا يجوز التعامل مع بيع الوحدة تحت الإنشاء باعتباره مجرد عقد بيع معتاد؛ فالمخاطر هنا لا ترتبط بصحة التوقيع وحدها، وإنما تمتد إلى القدرة القانونية والفعلية على تنفيذ المشروع، وسلامة الترخيص، ومطابقة البناء للمواصفات، والالتزام بموعد التسليم، وإمكان نقل الحق على الوحدة مستقبلًا.
ومن هنا، فإن هذا النوع من التصرفات يحتاج إلى غلاف حماية قانونية خاص، لا لتعقيد الصفقة أو تعطيلها، وإنما لإقامة قدر حقيقي من التوازن بين التزامات المشتري والتزامات المطور أو البائع.
المشكلة أن كثيرًا من المشترين يتعاملون مع النموذج المعد سلفًا من الشركة باعتباره عقدًا نهائيًا غير قابل للمناقشة، أيًا كان المسمى الذي يحمله: عقد حجز، أو تخصيص، أو بيع ابتدائي، أو وعد بالبيع.
غير أن الاسم الذي يوضع أعلى الورقة لا يحدد وحده طبيعتها القانونية، ولا يكفل سلامة آثارها؛ فالعبرة بحقيقة الالتزامات التي تضمنتها، ومدى ما وفرته لكل طرف من حقوق وضمانات عند الإخلال.
فقد يلتزم المشتري بمواعيد سداد صارمة، ويحرر شيكات بباقي الأقساط، ويواجه غرامات وفسخًا وسحبًا للوحدة عند التأخر في سداد قسط واحد، بينما يسمح العقد للطرف الآخر بمد أجل التنفيذ أو تغيير بعض المواصفات، دون أن يرتب عليه جزاءً جديًا يتناسب مع التأخير.
وهنا يثور السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الأوراق قبل التوقيع:
إذا كان العقد قد نظم بدقة جزاء إخلال المشتري، فهل نظم بالقدر نفسه جزاء إخلال المطور أو البائع؟
إذا تأخر تنفيذ المشروع أو توقف، فهل يملك المشتري حبس الأقساط؟ وما مصير الشيكات المحررة؟ وهل يحق له طلب الفسخ واسترداد ما سدده؟ ومتى تُرد إليه أمواله؟ وهل يستحق تعويضًا حقيقيًا عن التأخير، أم يجد نفسه أمام عبارات عامة لا تنتج حماية عملية؟
والقول بحق المشتري في حبس الأقساط لا يعني أن يتوقف عن السداد من تلقاء نفسه؛ فالأمر يزداد دقة إذا كانت الأقساط محررة عنها شيكات. واستعمال هذا الحق دون تنظيم تعاقدي واضح وإجراءات قانونية محسوبة قد ينقل المشتري من مركز الدائن بالتنفيذ إلى مركز المدين المتأخر في الوفاء.
ولهذا يجب أن يحدد العقد حالات الإخلال الجوهري التي تبرر حبس المقابل، وضوابط استعمال هذا الحق، والإجراءات الواجب اتخاذها لإثبات التأخير، وأثر ذلك في الأقساط والشيكات القائمة.
وكذلك الفسخ لا يكفي أن يرد ذكره ضمن عبارة محفوظة في أحد البنود؛ فالقيمة الحقيقية لهذا الشرط تظهر في تفاصيله: من يملك التمسك به؟ وفي أي حالات؟ وما المدة الممنوحة للعلاج؟ وما مصير المبالغ المسددة والشيكات؟ وهل يترتب عليه تعويض؟ وما الجزاء إذا تأخر البائع في رد المستحقات؟
والحماية القانونية لا تبدأ من صياغة العقد وحدها، وإنما تسبقها مرحلة لا تقل أهمية، تشمل فحص سند ملكية الأرض، وصفة المتصرف وسلطته في البيع، والترخيص الصادر للمشروع، وعدد الأدوار والوحدات المصرح بها، وموقف العقار من المخالفات والرهون والحجوزات والتصرفات السابقة، ومدى القدرة القانونية والواقعية على استكمال المشروع وتسليم الوحدة.
ثم يأتي العقد ليترجم نتيجة هذا الفحص إلى التزامات دقيقة وقابلة للتنفيذ، فيحدد الوحدة ومساحتها ومواصفاتها، وموعد التسليم، وضوابط التأخير، والالتزام بالمرافق والتراخيص، وآلية احتساب فروق المساحة، وضمان عدم التصرف للغير، وربط السداد بمراحل التنفيذ كلما أمكن، وتنظيم الفسخ والتعويض واسترداد المبالغ والشيكات.
نحن لا نصوغ هذه الضمانات لأننا نفترض سوء النية، ولا لأن غايتنا تعقيد التصرف العقاري أو تعطيل إتمامه؛ وإنما لأن التوازن العقدي لا يُختبر لحظة التوقيع، حيث الوعود حاضرة والمصالح متوافقة، بل يُختبر عند الإخلال، حين يتأخر التنفيذ وتتعارض المصالح ويبدأ كل طرف في البحث داخل العقد عما يحمي مركزه.
فالعقد الجيد قد لا يمنع النزاع، لكنه يمنع أن تدخله بلا حماية قانونية حقيقية.
ومن ثم، فإن الاستشارة القانونية في بيع الوحدات العقارية تحت الإنشاء ليست رفاهية، ولا يصح اختزالها في حديث عابر أو رأي شفهي؛ وإنما يجب أن تكون استشارة مكتوبة ومسببة، تسبقها مراجعة دقيقة للمستندات والعقد والموقف التنفيذي للمشروع، ويقدمها متخصص يدرك طبيعة المعاملات العقارية ومخاطرها القانونية والعملية.
فالغاية ليست أن نُعقِّد الصفقة، وإنما أن نحيطها بغلاف قانوني يحميها؛ حتى يعرف المشتري، قبل دفع أول قسط، حقيقة ما يشتريه، وصفة من يتعاقد معه، والضمانات التي يملكها، والطريق الذي يسلكه إذا تأخر التنفيذ أو وقع النزاع.
لأن الحماية القانونية في البيوع العقارية لا تبدأ بعد ظهور المشكلة… وإنما تبدأ قبل التوقيع.
تامر مجدي فوزي
المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا
عضو اتحاد المحامين العرب
مؤسسة تامر مجدي للمحاماة والاستشارات القانونية
الفيوم شارع السنترال امام كنفاني عبد الرسول الفيوم
01210300060




